السيد محمد تقي المدرسي

217

من هدى القرآن

3 - وقد يكون المثل الآباء الذين ماتوا وتآكلت أجسامهم ، حيث ضربوهم مثلا لإنكار البعث ، وزعموا أنه يستحيل نشرهم كما قال الله يصف ذلك الخصيم : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [ يس : 78 ] . ويشير القرآن إشارة واضحة إلى هذا المعنى إذ يقول تعالى يخاطب نبيه : انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ( 48 ) وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ( 49 ) * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً [ الإسراء : 48 - 51 ] . وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ فكما يبدل الله جيلا مكان جيل ينشئ الجيل الغابر في صورة جديدة لا يعلم عنها شيئا وهي نشأة الآخرة . وهكذا توحي الآية بأن عملية تبديل الأجيال دليل على وجود تدبير حكيم في نظام الخلق يهدينا بدوره إلى أن ربنا سبحانه لا يذهب بالجيل الماضي إلى العدم ، بل إلى نشأة أخرى لأنه حكيم كما لا يأتي بالجيل الجديد عبثا بل للامتحان وتكون الدنيا كقاعة امتحان يدخلها جماعة بعد جماعة والذين يخرجون منها يذهبون للحساب ، كما أن الذين يدخلون فيها يتعرضون للامتحان . ولعل المعنى أن حقيقة الإنسان لا تتغير بعد الموت ، وإنما تتبدل صورته الظاهرية فقط ، حيث ينتقل إلى حياة تتغير فيها المقاييس ونحن لا نعلم عنها شيئا . [ 62 ] وكفى بجهل الإنسان بمصيره بعد الموت دليلا على أنه مُدَبَّر مخلوق وأنه ليس القادر المتصرف في نفسه ، وكفى بعلمه تعالى بالخلق الأول إثباتا للبعث . وأن الذي خلقه من نطفة من مني يمنى ، قادر على بعثه للجزاء إذا وقعت الواقعة . وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ إن الإنسان لا يستطيع أن ينكر قدرة الله على الإحياء في خلقه الأول ، فلماذا يشك فيه تعالى وفي قدرته على البعث ؟ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ( 37 ) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى ( 39 ) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [ القيامة : 37 - 40 ] ؟ ! بلى إنه قادر وكفى بالنشأة الأولى مذكرا لنا بهذه الحقيقة المودعة في فطرتنا وعقولنا . ودعوته إلى التذكر هنا بعد قوله : فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ الآية 57 ، يهدينا إلى أن المسافة بين الإنسان وبين التصديق بالله وباليوم الآخر قريبة جدًّا لا تحتاج إلا إلى التذكر وذلك بالتوجه إلى مقاييسه العقلية التي يمارس بها فعاليات حياته . [ 63 - 64 ] ويلفتنا الذكر الحكيم إلى آية أخرى تهدينا لو تفكرنا فيها إلى الخالق اللطيف